ليفي كلارك

ليفي كلارك

كان جسدي لا يزال يرتجف ويحترق بشدة تحت وطأة القهوة الساخنة التي انسكبت عليّ بغزارة، تلك المادة السوداء المغلية التي بدأت تبرد تدريجياً فوق ثيابي لتترك خلفها أثراً لزجاً ومؤلماً ينهش جلدي الحساس. التصقت ملابسي المبتلة تماماً بجسدي بشكل مزعج ومهين، وشعرتُ في تلك اللحظة القاسية بعجزٍ تام عن مواصلة الوقوف على قدمي اللتين بدأتا تترنحان وتعتصران من أثر الصدمة والوجع المفاجئ الذي اجتاح كياني. كان الأنين المكتوم في أعماقي يزداد مرارة مع كل شهيق مضطرب، مما دفعني لإطلاق صرخة صامتة ودعوات يائسة في سري؛ فقد تملكني رعبٌ عارم ومزلزل لا يمكن وصفه بالكلمات من فكرة فقدان جنيني الغالي في هذه اللحظة الحرجة والمظلمة من حياتي المليئة بالعثرات والآلام.

همستُ بتوسل مرير وأنا أنظر للأسفل نحو بطني، محاولةً بكل قوتي حماية ذلك الكيان الصغير الذي يمثل أملي الوحيد:

— أوه، يا صغيري، أرجوك لا ترحل وتتركني.. أرجوك ابقَ معي، لا تتركني وحيدة أواجه هذا العالم الموحش والبارد.

وبحركة غريزية تفيض بالخوف والتحنان، تحسستُ بطني بيدين مرتعشتين كأوراق الشجر في مهب الريح، متمتمةً بكلمات الرجاء الصامتة التي لم يسمع صداها أحد سواي في هذا الممر الضيق. رفعتُ عينيّ ببطء مشوب بالحذر لأرى ملامح الذهول والدمار ترتسم بوضوح صارخ على وجه امرأة تقف أمامي مباشرة، وهي موظفة الاستقبال التي لم تكن تكنّ لي الكثير من الود أو الاحترام منذ وطأت قدماي هذه الشركة. كانت تنظر إليّ بعينين واسعتين جاحظتين من فرط المفاجأة، وكأنها رأت شبحاً مخيفاً يخرج من العدم أو عثرت على سرّ خطير لا ينبغي لأحد من البشر معرفته.

كان من الجلي تماماً أنها لم تكن تملك أدنى فكرة عن حقيقة حملي المستور خلف تلك الثياب الواسعة، ولحسن حظي التعيس، كنتُ آمل في أعماق قلبي المثقل بالهموم ألا يكتشف أي شخص آخر في شركة "ريدج تيك" هذا السر الدفين الذي قد يطيح بمستقبلي المهني الهش ويقذف بي إلى الشارع. قالت وصوتها يتهدج ويتقطع من أثر الصدمة العنيفة:

— أنتِ.. أنتِ لستِ مجرد امرأة غريبة الأطوار أو مهملة كما كنتُ أظن طوال الوقت.. أنتِ فقط.. هل أنتِ حامل حقاً يا ليفي؟ وكيف استطعتِ إخفاء هذا الأمر الكبير كل هذا الوقت دون أن نلحظ؟

توسلتُ إليها بصوت خافت يملؤه الارتياب والاضطراب القاتل، وأنا أراقب الممرات المجاورة بذعر خوفاً من ظهور أي شخص قد يوشي بنا:

— أرجوكِ، اخفضي صوتكِ فوراً، لا أريد أن يسمعنا أي مخلوق في هذا المكتب اللعين.

رفعتُ يديّ في الهواء بحركة دفاعية يائسة وكأنني أحاول جسدياً حجب الكلمات المسمومة التي قد تخرج منها وتفضح أمري أمام السيد هاردين الصارم. ظل وجهها يشوبه الفزع الممزوج بفضول غريب، بينما انطلقت يداها تعبث بشعرها بهستيريا واضحة:

— أرجوكِ، أنا لم أكن أعلم بحقيقتكِ ولا بظروفكِ، سامحيني.. لقد ظننتُ فقط أنكِ امرأة غريبة الأطوار لأنكِ ترتدين ملابس واسعة جداً وباهتة لا تليق بمكانة هذه الشركة، أنا لم أقصد إيذاءكِ حقاً..

قاطعتُها بسرعة واليأس ينهش ما تبقى من صبري وقلبي:

— لا بأس بكل ذلك الآن، لكن أرجوكِ، كفي عن تكرار هذه الكلمة مرة أخرى، فالجدران في هذا المكان لها آذان وتسمع كل شيء.

ردت بدهشة مصطنعة بدأت تتحول تدريجياً إلى شيء أكثر خبثاً ودهاءً وهي تقترب مني:

— ألا أكرر أنكِ حامل؟ يا إلهي، أنا لا أزال في حالة ذهول تام لا أستطيع استيعابها! سيفصلني المدير من العمل بالتأكيد إذا عرف أنني تسببتُ في أي أذى لكِ أو لجنينكِ، اللعنة، أنا بحاجة ماسة لهذه الوظيفة لأدفع ديوني المتراكمة.

صرختُ بضعف وانكسار وقد بدأت قواي تنهار تماماً:

— أرجوكِ لا تخبريه بأي حال من الأحوال! هو لا يحتاج لمعرفة أي شيء عن تفاصيل حياتي الخاصة، ولن يعرف أبداً إذا صمتِّ أنتِ وحافظتِ على السر.

تساءلت هي بسخرية واضحة ونظرة متعالية، وقد بدأت تستعيد توازنها ومكرها المعهود:

— وكيف سأفعل ذلك طويلاً؟ وكيف تخططين لإخفاء هذا الأمر الواضح في المستقبل القريب؟ بطنكِ ليست كبيرة جداً في هذه اللحظة، لكن قريباً جداً سيكون من المستحيل تماماً سترها عن أعين الموظفين والمهندسين الفضوليين.

أجبتُ والدموع الحارقة تلسع جفوني المنهكة، محاولةً جاهدة منعها من السقوط أمامها:

— أعرف ذلك جيداً، لكني أحتاج فقط لبعض الوقت حتى يفهم المدير أنني موظفة كفؤة وتستحق البقاء قبل أن يكتشف الحقيقة المرة. أنا بحاجة ماسة لهذا الراتب البسيط لأعيل نفسي وطفلي القادم.

نظرت إليّ المرأة لثوانٍ بدت كهر ثم ابتسمت ابتسامة باردة ومخيفة، وكأن امتلاك سرّي أصبح بالنسبة لها ورقة رابحة ستستخدمها ضدي في الوقت المناسب:

— حسناً، سأقوم بهذا الجميل العظيم من أجلكِ حالياً، لكني أتوقع تماماً أن يتم تعويضي ومكافأتي بشكل مجزٍ وسخي في المستقبل القريب مقابل صمتي.

غرق قلبي في أعماق صدري المرتجف؛ كنت أعلم يقيناً أنني وقعتُ في فخ ابتزاز جديد لا أملك الفكاك منه. قلتُ بيأس واستسلام:

— أنا لا أملك أي مال الآن، أنتِ تعرفين وضعي المالي الصعب أكثر من أي شخص آخر.

ردت ببرود وهي تعدل هندامها أمام المرآة وكأن شيئاً لم يحدث:

— لا تقلقي يا ليفيا.. سنعرف كيف نتصرف بخصوص ذلك التعويض لاحقاً، لا تشغلي بالكِ بالمال الآن. اذهبي وغيري ملابسكِ المبتلة فوراً، لا أريد أن يراكِ المدير بهذه الحالة المزرية وتفوح منكِ رائحة القهوة المحترقة. إذا طُردتِ الآن، فما الفائدة التي سأجنيها أنا؟

ركضتُ بأقصى سرعة ممكنة لتغيير ملابسي الملوثة، ثم ذهبتُ لشراء قهوة جديدة وعدتُ إلى المكتب بقلبٍ يرتجف ويدين تحاولان الثبات. بعد دقائق مضنية من الركض، كنتُ أطرق باب الغرفة بتردد وخجل قاتل، ليأتيني صوته الأجش والبارد من الداخل:

— ادخلي!

دخلتُ فوجدتُ السيد هاردين يرمقني بنظراته الثاقبة التي تخترق الأعماق وتجعلني أشعر بالضآلة. قمتُ بتوزيع الأكواب على الحاضرين من كبار المستشارين وأنا أحاول بكل قوتي ألا ترتعش يداي وتسقط الأكواب مرة أخرى. وحين مررتُ بجانبه لتسليمه كوبه، تسمرت عيناي لا إرادياً على شاشة حاسوبه التي تعرض نموذجاً أولياً لسلاح معقد وتصاميم هندسية دقيقة. انطفأت الشاشة فجأة بحركة خاطفة منه، ووجدته يحدق فيّ بصرامة وجدية لا تبشر بخير أبداً:

— هل تريدين شيئاً معيناً يا آنسة كلارك؟ أم أن فضولكِ يتجاوز حدود مهامكِ البسيطة؟

أجبتُ بارتباك واضح وصوت يرتجف بشدة:

— معذرة يا سيدي، لم أقصد الإزعاج أبداً، كنتُ فقط أتأكد من أن القهوة كما تحبها.

رد بفظاظة وهو يشير نحو الباب بيده القوية:

— ضعي القهوة واخرجي فوراً! لدينا عمل جاد لا يحتمل التطفل أو إضاعة الوقت.

خرجتُ وأنا أشعر بنظرات الجميع تلاحقني وكأنني ارتكبت جرماً عظيماً. توجهتُ إلى مكتبه الخاص كما أمرني لانتظاره، وجلستُ على أحد الكراسي الجلدية الفاخرة أشعر بآلام مبرحة في ظهري وساقي وقدمي المتورمتين اللتين لم تعدا تحتملان وزني في هذا الشهر السادس من الحمل. تنفستُ بعمق محاولةً تهدئة أعصابي التالفة، لكن النوم كان يداعب جفوني المنهكة من السهر والتعب المستمر في شقتي الضيقة والباردة. أغمضتُ عينيّ لثانية واحدة فقط، محدثةً نفسي بصوت داخلي واهن:

— الاجتماعات تستغرق وقتاً طويلاً. مجرد غفوة قصيرة... ثانية واحدة فقط...

Sigue leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la APP
Explora y lee buenas novelas sin costo
Miles de novelas gratis en BueNovela. ¡Descarga y lee en cualquier momento!
Lee libros gratis en la app
Escanea el código para leer en la APP