الفصل السادس

كان ذلك الرجل الضخم، بعينيه الرماديتين، وندوبه المنتشرة على جسده، وذاكرته الخالية من الماضي… يتحدث بصدق لم تره منذ وقت طويل في أي أحد. وكان ذلك بالضبط ما أرعبها.

في وقت لاحق، أثناء الإفطار في المطبخ، حاولت أن تتظاهر بأن شيئًا لم يتغير. وضعت الخبز على الطاولة، دهنته بالزبدة، وعلّقت على الطقس.

— يبدو أن اليوم لن تمطر، الحمد لله. — قالت، وهي تنظر إلى النافذة.

— هذا جيد. — أجاب — أنتِ تكرهين القيادة في البرد والمطر الذي يعيق الرؤية.

رفعت حاجبًا.

— وكيف عرفت ذلك؟

— أنتِ تشتكين كل يوم. — قال وهو يهز كتفيه — أنا ألاحظ.

لم تعرف إن كانت تضحك أم تبكي. بدلًا من ذلك، قضمت قطعة من الخبز وتركت الصمت يمتد لبضع ثوانٍ.

لكن كان من المستحيل الحفاظ على تلك العادية لفترة طويلة. ليس عندما كانت، في كل مرة تمد يدها، تلامسه. أو عندما تمر خلف كرسيه وتشعر بيده تلامس خصرها برفق، وكأنه يتأكد لنفسه أنها موجودة حقًا.

في إحدى تلك اللمسات، فقدت تركيزها.

— هل تفعل ذلك عن قصد؟ — سألت، نصف مازحة ونصف جادة.

— ماذا؟

— أن تلمسني طوال الوقت. — أوضحت، وهي تعقد ذراعيها.

توقف باولو، فكر للحظة، ثم ابتسم بلا خجل.

— نعم. — أجاب مباشرة — لأنني لا أزال لا أصدق تمامًا أن ما حدث أمس كان حقيقيًا. لذا… أستمر في التحقق.

نظرت إليه بدهشة من بساطة إجابته.

— أنت صريح جدًا.

— وأنتِ أشجع مما تبدين. — رد — أن تسمحي لي بالبقاء هنا، أن تعتني بي، أن تسمحي لي بلمسك… — توقف لحظة يبحث عن الكلمة — بهذا القرب.

عاد الجو يثقل قليلًا. أسند مرفقيه على الطاولة، وشبك أصابعه.

— أليا، ماذا يعني الحب بالنسبة لكِ؟

جاء السؤال فجأة، لكنه كان صادقًا. ابتلعت ريقها.

— الحب؟ — كررت، وكأنها كلمة غريبة.

— نعم. — أكد — لا أتذكر إن كنت قد أحببت أحدًا من قبل. ولا إن كان أحد قد أحبني. لكن… — عبس قليلًا، مسندًا ذقنه على الطاولة — إذا كان عليّ أن أتعلم الآن، أريد أن أعرف ماذا يعني بالنسبة لكِ.

صمتت لبضع ثوانٍ، تنظر إلى يديها. مررت إبهامها على علامة قديمة في بشرتها، ذكرى زمن آخر، وشخص آخر، وآلام أخرى.

— الحب بالنسبة لي… — بدأت بحذر — شيء توقفت عن الإيمان به.

خرجت الكلمات أقسى مما توقعت. كان باولو يراقبها باهتمام، يحترم لحظتها.

— إنه مؤلم جدًا. — تابعت. — الناس يتحدثون عن الحب وكأنه دائمًا جميل، وكأنه يستحق أي شيء. لكن… — أخذت نفسًا عميقًا — بالنسبة لي، كان الحب دائمًا مرادفًا للخسارة. للتنازل. للألم وحدي بينما الآخر يمضي قدمًا.

ضحكت، لكن لم يكن في ذلك الصوت أي فرح.

— لذلك… في مرحلة ما، قررت أن يكفي. أنني سأعيش فقط بما هو ضروري. العمل، سقف فوق رأسي، وقليل من السلام. بدون حب. بدون توقعات. — رفعت عينيها لتلتقي بعينيه — هكذا يكون أكثر أمانًا.

لم يرد باولو فورًا. نهض ببطء، دار حول الطاولة، وتوقف بجانب كرسيها. انحنى قليلًا ليصبح بمستوى وجهها.

— إذن دعيني أريك نوعًا آخر من الحب. — قال بصوت منخفض، جادًا كما نادرًا ما يكون.

ابتلعت ريقها.

— باولو…

— حب لا يطلب منكِ أن تصغري لتناسبي أحدًا. — تابع — لا يرحل عندما تحتاجينه أكثر. لا يجعلكِ تشكين في نفسك.

شعرت بشيء يهتز في داخلها.

— وكيف تعرف أنك تستطيع أن تعلمني ذلك، وأنت لا تتذكر حياتك؟

ابتسم بخفة، مائلًا برأسه قليلًا.

— لهذا السبب بالذات. — أجاب — لأنني معكِ لا أملك ماضيًا. فقط مستقبلًا. وهذا يجعلني أقل رغبة في إفساده.

أطلقت ضحكة خافتة، لكن عينيها كانتا تلمعان. رفع باولو يده وأمسك وجهها برفق، يمرر إبهامه بخفة على بشرتها الدافئة. أغمضت أليا عينيها للحظة دون أن تشعر.

— لا أستطيع أن أعدك بأن أكون مثاليًا. — اعترف — لكن يمكنني أن أعدكِ أنه… طالما أنا هنا، طالما أنا هذا "باولو" الذي سميتهِ أنتِ… سأراكِ وكأنكِ أهم شيء حدث لي. لأن هذا ما يبدو عليه الأمر.

فتحت عينيها، وما رأته جعَل دفاعاتها تنهار تمامًا. لم يكن هناك لعب أو خوف من الضعف. كان هناك فقط الحقيقة.

تنفست بعمق.

— أنت تتحدث وكأن… — بدأت، لكن صوتها خانها — وكأنه من السهل أن أؤمن مجددًا.

— ليس سهلًا. — أجاب دون تردد — لكن يمكنني أن أحاول، كل يوم. — اقترب قليلًا — يمكننا أن نحاول معًا.

شعرت أليا بأن دفاعاتها تنهار واحدة تلو الأخرى، كقصور من الرمل تجرفها الأمواج.

في ذلك اليوم، لم يحدث شيء عظيم من الخارج. لم تكن هناك عاصفة، ولا صراخ، ولا دراما. كان هناك فقط اتفاق، تمّ بين نظرات ولمسات.

ومنذ ذلك اليوم، أصبحت جدران ذلك المنزل الصغير شاهدة على شيء جديد. بدأت القبلات العميقة في المطبخ، بين رائحة الطعام وصوت الغلاية.

واستمرت في غرفة المعيشة، بين الضحكات، والوسائد المبعثرة، وتعليقات سخيفة عن برامج تلفزيونية لم يكن أيٌّ منهما يشاهدها بجدية. وانتهت، في الغالب، في غرفة النوم، حيث بدا العالم وكأنه يختصر في جسدين متعبين من اليوم، لكن متعطشين لبعضهما.

لم تكن ليالي القرب جسدية فقط. كانت مليئة بأحاديث خافتة في الظلام، واعترافات تُهمس خوفًا من إيقاظ الماضي، ووعود تُقال دون وعي.

— أنا هنا، يا نجمة. — كان يهمس أحيانًا، ووجهه ملتصق بعنقها.

— وأنا أيضًا، أيها العملاق. — كانت تجيب، ممسكة بيده بقوة.

ومع كل يوم يمر، كان الشعور الذي ينمو بينهما يرسخ جذوره أكثر، حتى وإن لم يكن له اسم بعد.

هناك، في ذلك المنزل البسيط، بالأثاث المستعمل والشموع الموضوعة في أوعية زجاجية، كانت أليا وباولو يبنيان شيئًا لم يخطط له أيٌّ منهما. شيئًا يولد بين لمسة وأخرى، كلمة ولحظة، خوف وشجاعة جديدة. كان هشًا. كان عميقًا. كان حقيقيًا. ودون أن يدركا، كان قد أصبح حبًا.

Sigue leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la APP
Explora y lee buenas novelas sin costo
Miles de novelas gratis en BueNovela. ¡Descarga y lee en cualquier momento!
Lee libros gratis en la app
Escanea el código para leer en la APP