الفصل4

الفصل 4

بمجرد أن غادر ألكسندر واختفى عن الأنظار، أطلق إيثان زفرة قوية، وألقى ربطة العنق على ظهر الأريكة وهزّ رأسه ضاحكًا لنفسه.

— عجوز متذمر... — تمتم، وهو يعيد التقاط كأس الويسكي ويدير السائل بحركات كسولة.

أخذ رشفة طويلة، مستلقيًا على الأريكة، ينظر إلى السقف وكأنه غير مكترث إطلاقًا بالضغوط أو التهديدات أو بفكرة "أن يصبح بليك حقيقيًا".

— مخطوب... — كرر لنفسه، نصف ضاحك ونصف ساخر من وضعه. — فليذهب كل شيء إلى الجحيم. — نهض، شرب ما تبقى من الويسكي، أخذ ربطة العنق وصعد الدرج وهو يصفّر، وكأن لا شيء في العالم يمكن أن يؤثر عليه.

---

بينما كان السكرتير يشرح جدول اليوم، كان ألكسندر حاضرًا... وفي الوقت نفسه، غائبًا. عيناه كانتا تحدقان في المدينة من خلال النافذة الزجاجية الكبيرة، لكن عقله...

كان عالقًا بها.

في رائحة شعرها المجعد الحلوة. في ملمس بشرتها الناعمة. في الطريقة التي كانت تئن بها، ترتجف، تستسلم، وكأن ذلك الجسد خُلق خصيصًا له.

صوت السكرتير بدا بعيدًا أكثر فأكثر، كأنه ضجيج مكتوم. وبدلًا منه، كانت أصوات الليلة السابقة تغزو ذهنه، جريئة، معذبة.

— آه... — صوتها الأجش، المليء بالدلال، اجتاح عقله كعاصفة من الرغبة.

كل ومضة من الذاكرة كانت تدفعه إلى حافة السيطرة. طريقة تقوس جسدها. عيناها نصف المغمضتين، تتوسلان، ضائعة بين ألم الرغبة والمتعة العنيفة التي كان يحرص على انتزاعها منها... جسدها وهو يلتصق به، وكأنه يريد إبقاءه هناك إلى الأبد.

شد فكه، وأخذ نفسًا عميقًا، لكن النار التي تشتعل داخله بدت مستحيلة الإخماد. كان جسده كله متوترًا، ينبض برغبة يعرف جيدًا ماذا—أو بالأحرى من—يريد.

— سيدي؟ — أعاده صوت السكرتير إلى الواقع.

رمش ألكسندر، وضيق عينيه وأدار وجهه ببطء، محاولًا إخفاء ما استطاع.

— شكرًا، يمكنك الانصراف.

بمجرد أن أُغلق الباب، ابتعد عن النافذة، يتنفس بعمق، ويمرر يده في شعره. جسده كله مشتعِل. سيطرته على نفسه... على حافة الانهيار.

— اللعنة... ماذا فعلتِ بي، إيزادورا؟ — تمتم بحدة، وعيناه مغمضتان، يشعر برغبته تتحدى كل البرود الذي اعتقد أنه يسيطر عليه.

كان على وشك الجلوس، مجبرًا نفسه على التركيز على العقود فوق الطاولة، عندما رنّ الهاتف الخاص بالعمل. ظهر رقم دولي من المقر الرئيسي في الولايات المتحدة.

أجاب، ولم يضيع الصوت في الطرف الآخر أي وقت في المجاملات:

— سيد بليك، يؤسفني إبلاغك، لكننا بحاجة لعودتك فورًا. هناك مشكلة خطيرة في المقر.

ضيق ألكسندر عينيه.

— أي نوع من المشاكل؟ — سأل، وهو يدور ببطء على الكرسي، مدركًا أن إقامته هناك توشك على الانتهاء.

— عقد الاندماج مع مجموعة هايلاند... انهار. حدثت خروقات في البنود، والمساهمون يهددون بالانسحاب. نحتاجك شخصيًا.

تنفس بعمق، ومرر يده على ذقنه.

— جهّزوا طائرتي. سأغادر اليوم. — قال ببرود، قبل أن يغلق الخط.

نهض، واتجه نحو النافذة، ينظر إلى أفق المدينة الأجنبية.

جزء منه أراد حل تلك الفوضى، فالأعمال كانت إمبراطوريته، وأكسجينه. لكن الجزء الآخر... الأكثر هدوءًا، والذي لم يكن يعرفه من قبل... لم يكن يريد الرحيل. كان يريد أن يجدها. كان بحاجة لأن يجدها.

— اللعنة... — تمتم، وهو يخرج هاتفه ويتفقد تحديثات الحارس. لا شيء جديد سوى اسمها. — إيزادورا ريبيرو... من أنتِ؟ — همس، وهو يشد الهاتف في يده.

دخل المساعد مع الحارس.

— الطائرة ستكون جاهزة خلال ساعتين، سيدي.

أومأ ألكسندر، وهو يلتقط سترته.

— جيد. حضّروا أيضًا كل التقارير. واستمروا في البحث عنها. حتى بعد مغادرتي، أريد... كل شيء. — كان صوته حازمًا، يكاد يكون مظلمًا.

— حاضر، سيدي. — قال الحارس.

وغادر.

---

في تلك الأثناء...

كانت إيزادورا جالسة في مكتب المستشفى، تستمع إلى الأخصائية الاجتماعية وهي تشرح إجراءات وفاة عمها. نظراتها تائهة، تمسك بالأوراق دون أن تقرأها فعليًا.

من الخارج، بدت حاضرة. من الداخل... كانت محطمة.

لقد فقدت كل شيء. عمها. سندها. الاستقرار الوحيد الذي كانت تملكه في ذلك البلد. وليزداد الأمر سوءًا، لم يفارقها ثقل ما حدث في الليلة السابقة.

— والآن... ماذا سأفعل بحياتي؟ — همست، مغمضة عينيها، تكبح دموعها.

خرجت من المستشفى، تحمل ملفًا من الأوراق بدا لها كأنه شهادة بانهيار حياتها بالكامل.

عبرت الشارع وكأنها تسير بلا وعي. استقلت سيارة أجرة إلى الشقة الصغيرة التي تشاركها مع خالتها. وما إن دخلت، نظرت إلى غرفة المعيشة وشعرت بانقباض في صدرها. كل شيء بدا... مختلفًا. فارغًا. بلا روح.

توجهت إلى غرفتها، فتحت الخزانة وأخرجت فستانًا أسود بسيطًا، مناسبًا للحداد، يعكس تمامًا حالتها.

وضعته على السرير، وبينما كانت تبحث عن الحذاء، نظرت إلى انعكاسها في المرآة.

وجه شاحب، مرهق... لكن ليس فقط بسبب الحزن. بل أيضًا بسبب الخجل. والذنب. والخوف مما ينتظرها.

خالتها. وخطيبها.

"كيف سأخبرهم؟ كيف... سأنظر في عينيها وأقول إنني لم أعد... نقية؟" فكرت، وهي تضع يدها على شفتيها محاولة حبس بكائها.

الندم وثقل الحزن كانا يدفعانها إلى حافة الجنون.

هل سيغفر لي خطيبي؟ هل سيقبل بشخص... لم تعد له بالكامل؟

ابتلعت ريقها، وأغمضت عينيها بقوة، محاولة دفن هذه الأفكار.

— ليس الآن. يجب أن أكون قوية الآن. — همست لنفسها.

أخذت الفستان، دخلت الحمام، ووقفت تحت الماء، تحاول أن تغسل جسدها... لكن لم يكن هناك ماء في العالم قادر على محو آثار تلك الليلة.

توقفت السيارة أمام الكنيسة. صدرها بدا ضيقًا جدًا لهذا القدر من الألم.

كان النعش في الوسط، محاطًا بالزهور. وعندما رأته، اشتدّ الاختناق في حلقها.

— عمي... — همست، ممسكة بيديها، تحاول أن تكون قوية.

كانت المراسم سريعة ومؤلمة. كل كلمة من الكاهن كانت تمزقها أكثر. وعندما جاء وقت الدفن، رؤية النعش يُنزل إلى الأرض كانت كأن جزءًا منها يُدفن معه.

عادتا في صمت تام. كانت تحاول كبح بكائها، ويداها مشدودتان في حجرها، بينما كانت خالتها تنظر من النافذة بوجه بدا فيه الغضب أكثر من الحزن.

ما إن دخلتا الشقة الصغيرة، حتى دخلت خالتها أولًا، نزعت الحجاب بحركة حادة، وبدأت تمشي ذهابًا وإيابًا، وكأنها على وشك الانهيار.

فجأة، استدارت ونظرت إلى ابنة أختها بنظرة حادة.

— الآن ستخبرينني... مع من كنتِ الليلة الماضية؟ — قالت بحدة. — ولا تكذبي عليّ. — أشارت بإصبع مرتجف من الغضب. — لقد رأيت... الأثر على عنقك. شعرك لا يخفيه بالكامل.

شعرت إيزادورا بحرارة في وجهها. رفعت يدها إلى عنقها وكأنها تحاول إخفاء ما لم يعد قابلًا للإخفاء.

— خالتي... — حاولت التحدث، لكن صوتها خانها.

— اصمتي! — صرخت، وهي تضرب الطاولة، فاهتز ما عليها.

كانت خالتها تمشي بعصبية، تضغط على صدغيها، تحاول التماسك.

— كيف ستخبرين خطيبك بهذا؟ — قالت وهي تلهث، بصوت مرتفع. — لقد خاطرْتِ بكل شيء، إيزادورا! كل شيء! هذه الشقة الصغيرة التي نعيش فيها، المال القليل الذي كان عمك يجنيه... — انكسر صوتها، وأغمضت عينيها محاولة كبح دموعها لكنها فشلت. — كانت لدينا فرصة مثالية للحصول على خمسة ملايين دولار من هذا الزواج... وأنتِ... — خرج صوتها مرتجفًا ومختنقًا بالبكاء. — أنتِ دمرتِ كل شيء!

— خالتي... أنا... لم أكن أريد... — حاولت، لكنها قُوطعت.

— اصمتي!

ساد الصمت. ثم نظرت إليها مرة أخرى وسألت سؤالًا جعل عالم إيزادورا يدور:

— هل... على الأقل استخدمتِ واقيًا؟

اختفى الأرض من تحت قدمي إيزادورا. انقلبت معدتها. وشحب وجهها تمامًا.

لأنها أدركت أنها... لا تعرف الإجابة حتى.

Sigue leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la APP
Explora y lee buenas novelas sin costo
Miles de novelas gratis en BueNovela. ¡Descarga y lee en cualquier momento!
Lee libros gratis en la app
Escanea el código para leer en la APP