وعندما سمعت «إيزابيلا» كلامه، تسارع دقات قلبها بقوة، فعضت على أسنانها وهددته قائلة: «توقف عن قول مثل هذه الكلمات السخيفة!»
«هل توقفتِ عن الحديث؟»
كان هذا أفضل بكثير. رأى «ميزون» أنها تشبه فراشة العنكبوت وقد انتفشت أجنحتها استعدادًا للدفاع عن نفسها، وبدت في غاية الروعة والمتعة — أفضل بكثير من تلك النظرة الباردة واللامبالية التي رآها عليها عندما التقيا لأول مرة بعد عودتهما إلى «كابراليا».
إنها مليئة بالحيوية والنشاط.
«وبما أننا سنقوم بالتنظيف، فكيف يمكننا أن نغفل عن الزوايا والحواف؟»
وتنهدت «إيزابيلا» بصوتٍ خافتٍ، وألقت بالمنشفة على صدره قائلة: «يا «ميزون»، أرجوك، لا تجعل من أمرٍ بسيطٍ كهذا مسألةً جادةً ومعقدةً لهذه الدرجة!»
الزوايا والحواف...
وتذكرت فجأة أيام دراستها الجامعية، حيث كانت العبارة الأكثر تكرارًا عندما تستعد للامتحانات: «لا تهمل أي معلومة، مهما بدت صغيرة وتافهة، وحتى تلك المدفونة في زوايا الكتاب وصفحاته الأخيرة».
«ألا يمكنك التحدث بهذه الطريقة دون أن تبدو جادًا ومتزمتًا؟»
وتجاهلت «إيزابيلا» سؤاله، وحملت ملابسه، وتوجهت نحو الحمام قائلةً: «لا تحاول القيام بذلك بنفسك وانتظرني».
وأطلق «ميزون» ضحكةً خافتةً مكتومةً.
وبعد أن انتهت من ترتيب كل شيء، كان الوقت قد تأخر كثيرًا — وعندما عادت إلى غرفتها، ازداد تأخرًا.
لم ترغب «إيزابيلا» في إزعاج «يوهان» وإيقاظه من نومه، كما أنها لم تجد حتى الآن الطريقة المناسبة لتقديم اعتذارها له. وبعد تفكيرٍ عميق، قررت أن تزوره بنفسها فور عودتها إلى «كابراليا»، وتحمل معها هدايا تعبر فيها عن امتنانها العميق له.
وفي سريره بالمستشفى، كان «ميزون» يمسك بهاتفه، ويبدو أنه يتحدث في مكالمة هامة.
«حسنًا، سلموا الشهود إلى الشرطة صباح الغد، ولا تخبروهم مسبقًا بذلك».
وقال الطرف الآخر شيئًا آخر، لكن رد «ميزون» التالي جعل «إيزابيلا» تقفز من مكانها من المفاجأة.
«سأتولى الأمر بنفسي الأسبوع القادم».
وتجاهلت المكالمة الجارية، واقتربت منه مسرعة لتواجهه مباشرة: «ماذا تقصد بـ «سأتولى الأمر بنفسي»؟ هل أضفت دولًا أخرى إلى قائمة رحلاتك؟»
واكتفى «ميزون» بالنظر إليها بصمتٍ.
وعرفت «إيزابيلا» أن هذه النظرة منه تعني غالبًا الموافقة على ما قاله.
وفجأة رفعت صوتها بقلقٍ واضح: «ألا تعلم أن من أصيب بجرحٍ كهذا لا يُسمح له بالسفر جوًا؟ فالفرق بين الضغط الجوي داخل الجسم وخارجه قد يؤدي إلى فتح الجرح مرة أخرى وازدياد نزيفه. هل تمزح معي بهذا الكلام؟»
وطلب «ميزون» من مرؤوسيه الانتظار بضع دقائق، ثم ضغط على زر كتم الصوت، ونظر حوله بتركيز.
«لم أقل إنني سأسافر بالطائرة».
«إذًا، بأي وسيلة تفكر في السفر؟»
«بالسيارة بالطبع...»
وهنا بدأ الخطر يلوح في الأفق. ترددت «إيزابيلا» لثوانٍ ثم قالت: «وهذا أيضًا غير مسموح به! السفر وأنت مصاب، خاصةً في رحلة طويلة بالسيارة، سيعرضك لهواءٍ باردٍ وسيسبب لك إرهاقًا شديدًا».
وعندما أدرك مدى قلقها الحقيقي، مد «ميزون» يده تحت الغطاء، وربت برفقٍ على ظهر يدها لتهدئتها.
«ولا حتى بالحافلة الصغيرة».
فالسفر بالسيارة من «بورتيلو» إلى «كابراليا» يمر عبر عدة دول، ويستغرق أيامًا كاملة دون احتساب فترات الراحة. فما الذي يجعله متلهفًا للعودة بهذه السرعة؟
«إذا كنت بحاجة إلى متابعة قضية «ماركو باولو»، فاطلب من غيرك تولي الأمر، ولا داعي لأن تذهب بنفسك».
«قضية «ماركو باولو» تأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية».
وكان «ميزون» مصممًا على إقناعها والموافقة على رأيه. مد إصبعه السبابة، ومرره برفقٍ على سطح يدها، وحركه ذهابًا وإيابًا بلمسةٍ خفيفةٍ بالكاد تشعر بها.
«وأنتِ صاحبة القرار هنا».
وشعرت «إيزابيلا» بوخزٍ خفيفٍ في رأسها، فسحبت يدها بسرعة وضربت يده بخفةٍ لتمنعه.
إنه يعرف تمامًا كيف يخضعها ويجعلها تستسلم لرغباته.
«أنا لست مستعجلة على الإطلاق».
«هممم». وكان «ميزون» قد فهم تمامًا نقطة ضعفها، فأضاف بذكاء: «لكن ابننا ينتظر بفارغ الصبر».
ولم تنخدع «إيزابيلا» بسهولة، فقالت: «إذًا، فلنذهب «كيليان» أولاً إلى مختبر «يوهان»، وسألحق به لاحقًا».
ولكي يسرع في الحصول على موافقتها، بدأ «ميزون» يطرح حجةً منطقيةً مقنعة: «لكن الترياق لم يُختبر بعد بشكلٍ كافٍ في الأسواق، ولا توجد دراسات كاملة عن آثاره. هل أنتِ متأكدة من رغبتك في أن يتناوله ابننا أولاً وقبل أي شخص آخر؟»
وعندها صمتت «إيزابيلا» تمامًا.
وبما أنه لا يخشى شيئًا، فما الذي يخيفني أنا؟ فليعدا إذًا في أقرب وقت ممكن.
وفي الساعة الثامنة صباحًا في «كابراليا»، كان موعد تناول الشاي الصباحي في قصر عائلة «باتشي» القديم. وقد اجتمع جميع أفراد العائلة من فئة كبار السن ومن هم في منتصف العمر.
وفي الفناء الخارجي، وبخ شيخ العائلة الأكبر ابنه بشدة قائلاً: «انظر إلى ما أنتجته وتربيته! رشوة موظفي المحكمة لتبديل الجثث، وإدارة شبكة احتيال واسعة في «بورتيلو»... هل هذا ما يفعله إنسانٌ سويٌّ؟!»
واختنق من شدة الغضب، وتوقف نفسه للحظة، واحمر وجهه بشدة.
وسارعت زوجته لتقديم كوبٍ من الماء لتهدئته.
لم تكن تتخيل أبدًا أن حفيدها المدلل «ماركو باولو»، الذي وضعت العائلة كل آمالها ومستقبلها عليه، سيرتكب جرائم وآثامًا بهذه الفظاعة.
ولكن بما أن الحفيد لم يتربى تحت رعايته مباشرة، فلم يكن من اللائق توجيه اللوم إليه شخصيًا، فكان يفرغ كل غضبه وثورته على ولده.
وشعر «ماركو باولو» بالظلم والمرارة.
فعندما وُلد ابنه الأكبر، كان غارقًا في دراساته وأبحاثه العلمية، ولم يكن لديه وقت يخصصه لتربيته. وبعد أن كبر «رودولف»، أصبح يبدو ناجحًا ومتفوقًا كما توقعه الجميع. وكان «ماركو باولو» يعتقد دائمًا أن هذا يعود لموهبة الفطرية، فهو كالشجرة القوية التي تنمو وتزدهر دون أن تحتاج إلى رعايةٍ مستمرة. وهذا الابن الناجح رفع من شأنه ومكانته في الأوساط الأكاديمية.
لم أتخيل أبدًا أن الأمور ستصل إلى هذا الحد.
وكان «ماركو باولو» يصدق إلى حدٍ ما الشائعات التي تنتشر على الإنترنت، خاصة وأن «رودولف» كان يشتري من وقتٍ لآخر منازل فاخرة وسيارات راقية، ويسجلها باسمه وباسم زوجته. في البداية، ظن «ماركو باولو» أن هذه الأموال قد تكون مكتسبة بطرقٍ غير مشروعة، فحرص على إخفائها وعدم إظهارها للآخرين، معتبرًا أنها لن تضر إذا استخدمها في مساعدة والديه.
لكنه لم يدرك أبدًا أنها عائدات لعمليات احتيال كبرى، ولم يتوقع أن تنكشف الحقيقة بهذه السرعة.
وأصبح الفرع الثاني من العائلة الآن كالفأر الذي يمر في الشارع، فالجميع يتربص به ويريد القضاء عليه.
ومع ذلك، وبدون أدلة دامغة، لن يعترف «ماركو باولو» بأي شيء.
«يا أبي، هذه مجرد شائعات تُنشر على الإنترنت، ولا يمكنك تصديقها بسهولة. وأنا على يقينٍ تام أنها مجرد أكاذيب ملفقة للإساءة إلينا وتشويه سمعتنا!»
وكان شيخ العائلة قد بلغ به الغضب مبلغًا جعله يرتجف بيده، فأمسك بمضربٍ خشبي وضربه بقوة قائلاً: «حيثما يوجد دخان، فهناك نار! لماذا يوجهون أصابع الاتهام نحو ابنك بالذات، وليس نحو مسؤولين كبار في الدولة؟!»
وشعر «ماركو باولو» بالخوف الشديد.
والدي لا يبالي بأي كلامٍ يقوله، ولا يفكر في العواقب. ألا يعلم أن عمدة مدينة «كابراليا» ينحدر من عائلة عريقة ذات نفوذٍ سياسيٍ قوي؟
«يا أبي، «ماركو باولو» هو أكبر أحفادك. وبدون أي دليلٍ مادي، تقف في صف ما يقوله الناس على الإنترنت ضده. هل فكرت في نظرة بقية أفراد العائلة الأصغر سنًا إلينا؟ هذا الأسلوب لا يخدم مصلحة توحيد العائلة أبدًا».
وكان شيخ العائلة قد توقع هذه الحجة مسبقًا، ولهذا لم يُظهر جدول الأدلة والوثائق أمام الجميع في وجبة الغداء سابقًا.
«اسمع هذا التسجيل بنفسك! فإذا لم يكن هذا صوت «ماركو باولو»، فهو بالتأكيد صوت شخصٍ آخر يقلده!»
ونشأ السيد «باتشي» في عصرٍ سابق، فلم يكن يعلم شيئًا عن تقنيات تغيير الصوت والخداع الحديث.
«يا أبي، كل هذا زيف وافتراء. فـ «ماركو باولو» لا يخلو من صحبةٍ ومرافقين دائمًا، وقد يكون شخصٌ ما سجل صوته في موقفٍ معين، ثم استخدمه ليقلد كلامًا لم يقله أصلاً».
ولم يهتم الجد «باتشي» بما إذا كان الصوت مقلدًا أم حقيقيًا. فبناءً على خبرته الطويلة في الحياة، عندما تتعرض عائلة لفضيحة مفاجئة، فإن هناك دائمًا سببًا حقيقيًا وراء ما يُقال.
وتنهد بغضبٍ قائلاً: «ستظهر الحقيقة في النهاية، وستنهار الأكاذيب أمامها. وإذا ثبت أن «ماركو باولو» قد ارتكب فعلًا شنيعًا، فالفرع الثاني من العائلة يتحمل مسؤوليته بنفسه ويدبر أمره وحده».
وكاد قلب «ماركو باولو» يتوقف من الصدمة.
يدبرون أمرهم وحدهم؟ هذا يعني أنهم لن يحصلوا على سنتٍ واحدٍ من الميراث والثروة العائلية!
فموهبته الوحيدة في الحياة تكمن في المجال الأكاديمي، وبدون دعمٍ ماديٍ، كيف سيحافظ على نمط حياته الحالي؟ فحتى بدلة رسمية بسيطة يرتديها تكلف عشرات الآلاف من العملات.
ورفض «ماركو باولو» تصديق ما يُشاع، وتمسك برأيه بعنادٍ قائلاً:
«يا أبي، لا تقلق، كل ما يُقال باطلٌ وزورٌ بالتأكيد».