كان يجلس خلف مكتبٍ ضخم من خشب الماهوغني، يرمقها بنظرة امتزج فيها الاستغراب بشيءٍ من التسلية.
إنه هو...
ذلك الرجل المشرد.
الرجل الذي التقت به في الشارع.
حدّق فيها بعينيه الداكنتين، لكنهما لم تعودا تحملان الضياع الذي رأته فيه سابقًا، بل أصبحتا باردتين، حادتين، تنضحان بالدهاء، وفيهما لمحة خفيفة من السخرية... تكاد تبلغ حدّ الاستخفاف.
لقد تغيّر كل شيء فيه.
لم يكن الأمر مقتصرًا على بدلته المفصلة بإتقان، أو قصة شعره الأنيقة.
بل كان في الطريقة التي ينظر بها إليها...
وكأنه خرج منتصرًا من لعبة لم تكن تعلم أصلًا أنها تشارك فيها.
قال بصوت هادئ:
— الآنسة برنارديس... يا لها من مصادفة مثيرة للاهتمام.
ابتلعت سيلينا ريقها، محاولةً إخفاء صدمتها.
ماذا كان يفعل هنا؟
والأهم من ذلك...
ماذا كان يعرف عنها؟
كانت لا تزال تحت وطأة المفاجأة وهي تجلس على المقعد الجلدي المقابل للمكتب الفخم.
لم تستطع استيعاب أن الرجل الذي قضت معه تلك الليلة، والذي ظنته مشرّدًا، أصبح فجأة أمامها... بوصفه مديرها المحتمل.
كان ثور ميلر يحدق فيها بثبات، بينما راحت عيناه تتفحصان كل تغير في ملامحها، وكأنه يستمتع بارتباكها.
ولم يبدُ عليه أي أثر للمفاجأة لرؤيتها.
وذلك وحده جعلها أكثر توترًا.
قال بصوته العميق، الذي اتسم بهدوء يثير الأعصاب:
— الآنسة برنارديس... تفضلي، اجلسي براحتك.
ابتلعت ريقها مرة أخرى، وحاولت أن تستعيد سيطرتها على نفسها.
اعتدلت في جلستها، وسعت إلى الحفاظ على مظهرها المهني.
— شكرًا لك.
خرج صوتها بالكاد مسموعًا.
استرخى ثور في مقعده دون أن يحيد بنظره عنها.
ثم قال:
— قبل أن نبدأ، اسمحي لي أن أعرّف نفسي. أنا ثور ميلر، الرئيس التنفيذي لمجموعة Miller Holdings. أسس جدي، ثور ميلر، ووالدي، راؤول ميلر، هذه الإمبراطورية، وأنا أتولى إدارتها اليوم. كما أنني رئيس شركة T&R Enterprises، وأشرف شخصيًا على هذه المقابلة لأن الوظيفة المطروحة هي منصب سكرتيرتي التنفيذية.
أومأت سيلينا برأسها وهي تشعر بثقل اسم ميلر.
كان اسمًا يفرض هيبته في عالم الأعمال.
وسرى قشعريرة في جسدها.
هل ستعمل معه مباشرة؟
تسارع نبض قلبها.
تابع قائلاً:
— أحرص دائمًا على اختيار الشخص الذي سيشغل هذا المنصب بنفسي.
تنفست بعمق محاولةً التركيز.
— أفهم ذلك.
أسند ظهره إلى المقعد، وضيق عينيه قليلًا، كأنه يدرسها بعناية.
ثم قال:
— لديكِ مؤهلات تثير الاهتمام... وهي صفات نادرة... وأقدّرها كثيرًا.
كانت نبرته تحمل أكثر من معنى.
شعرت سيلينا بأن التوتر يزداد، لكنها لم تشح بنظرها عنه.
حافظت على هدوئها المهني، رغم الثقل الذي كان يجثم فوق صدرها.
كانت تتساءل...
هل سيواصل تجاهل ما حدث بينهما في تلك الليلة؟
ومع ذلك، بقيت ثابتة.
كانت تعلم أنه يختبرها.
تابع بصوت هادئ:
— هذا المنصب يتطلب قدرًا كبيرًا من السرية. فالعمل معي يفرض التعامل مع مواقف غير متوقعة باستمرار.
أومأت بصمت.
هل كان ذلك تحذيرًا...
أم تلميحًا؟
كان ثور يتصرف وكأنه لم يرها في حياته قط.
وفي لحظة، حوّل نظره نحو الواجهة الزجاجية الممتدة خلفها.
لكن ذاكرته خانته.
عاد به الزمن إلى تلك الليلة في الفندق.
إلى جسدها بين ذراعيه...
وإلى أنفاسها المرتجفة...
وإلى عطرها الذي بقي عالقًا في ذاكرته.
اجتاحت جسده موجة خاطفة من الرغبة.
إلا أنه كان يملك من السيطرة على نفسه ما يكفي لإخفاء أي أثر لها.
استعاد ملامحه الجامدة، وعاد إلى الحديث وكأن شيئًا لم يحدث.
لاحظت سيلينا كيف مررت أصابعه برفق على حافة الحاسوب المحمول.
كانت حركة سريعة...
تكاد لا تُرى.
لكنها فهمت معناها.
لقد كان يتذكر.
حاولت أن تتمالك نفسها، فعقدت ساقيها، وضمت يديها فوق حجرها.
عاد ثور للكلام، وفي صوته لمحة ساخرة خفية:
— أخبريني... بعد خمس سنوات من الابتعاد عن سوق العمل، ما الذي دفعك للبحث عن هذه الوظيفة؟
ترددت لحظة.
ثم أجابت بصوت منخفض:
— أنا في طريقي إلى الطلاق.
رفع حاجبًا، وأعاد نظره إلى سيرتها الذاتية المعروضة على شاشة الحاسوب.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة بالكاد تُلاحظ.
ثم قال بنبرة ساخرة:
— مثير للاهتمام... لا أرى في سيرتك الذاتية أي إشارة إلى أنك متزوجة. إذن فأنتِ لستِ الآنسة برنارديس...
بل السيدة برنارديس.
ثم رفع عينيه إليها مباشرة.
تجمد جسدها.
وشعرت بحرارة الدم تصعد إلى وجهها.
قالت بهدوء:
— لم أرَ أن ذلك يستحق الذكر.
ابتسم ابتسامة جانبية، وكأنه يعلم أنه أصاب نقطة ضعفها.
أغلق الحاسوب، ثم شبك ذراعيه أمام صدره.
وقال:
— إذا كنتِ بصدد الطلاق، ألن يكون من الأسهل أن تعيشي على نفقة زوجك؟ أعني... من مظهرك وطريقة حديثك، يبدو واضحًا أنكِ تنتمين إلى الطبقة الراقية.
اشتعل الغضب في داخلها.
وأجابته دون تردد:
— أفضل الموت على أن أعيش معتمدةً على رجل.
ارتفع حاجباه بدهشة.
وقال متحديًا:
— هل هو كبرياء مجروح؟
ثبتت عينيها في عينيه.
— لا.
ثم أضافت بثبات:
— أريد فقط أن أبدأ حياتي من جديد.
ظل صامتًا لثوانٍ، يتأملها بعناية.
ثم قال:
— فهمت.
لكن سؤالًا آخر كان لا يزال يشغله.
سألها:
— هل اكتمل طلاقك رسميًا؟
عقدت حاجبيها، وقد بدأت تشعر بعدم الارتياح من اتجاه الحوار.
— ليس بعد.
مال قليلًا إلى الأمام.
— أحتاج إلى شخص يستطيع السفر في أي وقت. وستكون هناك رحلات كثيرة ستسافرين فيها معي وحدنا، بحكم عملي. هل سيشكل ذلك مشكلة مع زوجك؟
ابتلعت ريقها بصعوبة.
فكرة السفر منفردة مع ثور جعلتها تشعر بشيء من القلق.
لكن ظروفها لم تكن تسمح لها بالتراجع.
قالت بجدية:
— زوجي السابق... وليس زوجي.
ثم أضافت بثقة:
— ولا، لن تكون هناك أي مشكلة.
ظل يراقبها لحظة أخرى، وكأنه يريد التأكد من أن قرارها لا رجعة فيه.
ثم قال بهدوء، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة تحمل أكثر من معنى:
— لقد سبق أن كانت بيننا وسيلة تواصل... عميقة ومشتعلة، وتركتِ لديَّ انطباعًا لا يُنسى. لذلك فأنا مطمئن تمامًا إلى قدرتك على شغل منصب السكرتيرة التنفيذية. لم يتبقَّ سوى بضعة أسئلة أحتاج إلى إجاباتها.
وقبل أن تتمكن من الرد...
انفتح الباب فجأة.
ثم دوّى صوت امرأة مدللة في أرجاء المكتب:
— حبيبي!