Mundo ficciónIniciar sesiónروبي
كنتُ بحاجة إلى مغادرة منزل والدي. ليس بسببه، فهو كان سيتركني أعيش هناك إلى الأبد، بل بسببي أنا. كل صباح كنت أستيقظ على رائحة القهوة القوية وصوت التلفاز يعرض الأخبار، وكان ذلك يذكرني بأن عمري أربعة وعشرون عامًا وأعيش كما لو كنت في السبعين. لذلك، بعد ثلاثة أسابيع من مغادرة القصر، استأجرتُ شقة صغيرة جدًا في كامدن. غرفة واحدة، ومطبخ صغير بالكاد يتسع لشخص واحد، وحمام ببلاط متشقق، ونافذة تطل على جدار. كانت مثالية. كانت لي. قصصتُ شعري حتى مستوى الكتفين، وشعرت بأنني جميلة ومثيرة بهذا المظهر. اشتريتُ ملابس بمالي الخاص، لا ببطاقة سوداء لأي أحد. حصلت على وظيفة كمساعدة إدارية في وكالة فعاليات صغيرة. راتب منخفض، مدير متطلب، لكنه عمل شريف. كنت أعود إلى المنزل متعبة، أستحم، أتناول شيئًا بسيطًا أمام التلفاز، وأنام دون انتظار هدير أي دراجة. لأول مرة في حياتي، كان صمت الليل ملكي. لكن الليالي كانت لا تزال مؤلمة. كنت أحلم به. أحلم بتلك العينين الرماديتين وهما تنظران إليّ وكأنني لا شيء. أستيقظ ووسادتي مبللة وصدري مثقل. أحيانًا كنت أمسك الهاتف وأكاد أتصل بالرقم الذي ما زلت أحفظه عن ظهر قلب. ثم أرمي الهاتف بعيدًا وأشتم حتى أتعب. في يوم جمعة، نادتني مديرتي إلى جانب المكتب. — روبي، لدينا حفلة غدًا مساءً. حفل تقني، عملاء مهمون. أحتاج شخصًا للمساعدة في التسجيل ومراقبة قوائم كبار الشخصيات. سأدفع لكِ ساعات إضافية وأوصلك بسيارتي. هل توافقين؟ كِدت أقول لا. الحفلات الفاخرة كانت عالمه. لكن الإيجار كان متأخرًا وكنت بحاجة إلى المال. — أوافق. في يوم السبت ارتديت الفستان الأسود اللائق الوحيد الذي بقي لديّ من أيام القصر، ضيق، بفتحة صدر بسيطة، طوله يصل إلى الساق، وربطت شعري في كعكة منخفضة. لا مجوهرات. لا شيء يذكرني بمن كنت. كان الحدث في مبنى “ذا شارد”، ذلك البرج الزجاجي الذي يبدو وكأنه يخترق سماء لندن. أضواء بيضاء، كؤوس شمبانيا، وأشخاص يتحدثون بصوت عالٍ عن الأسهم والعملات الرقمية. وقفت خلف طاولة التسجيل، أحمل جهازًا لوحيًا، أبتسم للغرباء وأختم أساور كبار الشخصيات. عندها شعرت بذلك. تلك القشعريرة في مؤخرة الرقبة التي نشعر بها عندما يراقبنا أحد. رفعت عينيّ وكان هو في الجهة الأخرى من القاعة. أندرو سينكلير. كنت أعرف من هو، الجميع يعرف. الرئيس التنفيذي لشركة سينكلير تيك، في الأربعين من عمره، بطول متر وتسعين من الخطر المجسد في هيئة رجل. شعر بني بتسريحة أنيقة، لحية خفيفة، بدلة رمادية داكنة مفتوحة عند الصدر، قميص أبيض بلا ربطة عنق. كان يتحدث مع مجموعة من المستثمرين، لكن عينيه كانتا عليّ. عينان خضراوان، حادتان، تكادان تكونان مفترستين. خفضت رأسي بسرعة، أشعر بحرارة وجهي. وعندما نظرت مجددًا، كان يتجه نحوي، يشق القاعة وكأن لا أحد سواه موجود. توقف أمامي، وضع يديه على الطاولة وانحنى قليلًا. — تبدين غريبة عن هذا المكان — قال، بصوت أجش، بلكنة خفيفة لم أستطع تحديدها. رفعت نظري. من قرب، كان أكثر وسامة. وأكثر خطرًا. — أنا كذلك — أجبت، دون أن أشيح بنظري. — هذا ما يحدث عندما يحاول الإنسان أن ينتمي إلى مكان ليس له. ابتسم ابتسامة جانبية، تلك التي تعد بمشاكل جميلة. — مضحك. أنا أرى العكس تمامًا. — أخذ كأس شمبانيا من صينية مارة وارتشف منها دون أن يبعد عينيه عني. — تبدين كمن وُلدت لتكون في مركز كل شيء، فقط لم يكتشفوا ذلك بعد. ضحكت دون أن أقصد. ضحكة قصيرة، متوترة. — أنت لا تعرفني حتى. — روبي وايلدر — قال اسمي كاملًا ببطء، وكأنه يتذوقه. — أربعة وعشرون عامًا مؤخرًا. الزوجة السابقة لإيثان ستورم. طلاقك تم قبل شهر. تعيشين في شقة بائسة في كامدن وتعملين كمضيفة لأنك بحاجة لدفع الفواتير. هل أخطأت؟ تجمدت. كاد الجهاز اللوحي يسقط من يدي. — كيف أنت… — أقوم بواجبي — قاطعني، وهو لا يزال يبتسم. — وأنتِ من النوع الذي يجعل رجلًا مثلي يرغب في معرفة كل شيء. قبل أن أتمكن من الرد، ناداه أحدهم من الجهة الأخرى. مجموعة من المستثمرين اليابانيين. رفع يده بإشارة “لحظة”، لكنه لم يتحرك. — يجب أن أذهب — قال، وهو يسحب بطاقة سوداء من جيب سترته. وضعها في يدي وأغلق أصابعي حولها. كانت لمسة سريعة، لكنها أحرقت. — عندما تقررين التوقف عن البقاء فقط والبدء في العيش حقًا، اتصلي بي. ليلًا أو نهارًا. سأجيب إذا كنتِ أنتِ. ابتعد. بقيت أنظر إلى ظهره العريض يختفي بين الحشد، وقلبي يخفق بجنون. وضعت البطاقة داخل صدري، المكان الوحيد الذي أعلم أنني لن أفقدها فيه. في تلك الليلة، عندما وصلت إلى شقتي، رميت المفاتيح على الطاولة، خلعت حذائي وجلست على أرض غرفة المعيشة والبطاقة في يدي. أندرو سينكلير. الرجل الذي نظر إليّ وكأنني المرأة الوحيدة في العالم. لم أكن مستعدة بعد. كان الألم لا يزال كبيرًا. كنت ما زلت أحلم بإيثان كل ليلة. لكن بعد وقت طويل، شعرت بقشعريرة لم تكن حزنًا. كانت فضولًا. كانت خطرًا. كانت حياة. وهذا أخافني أكثر من أي شيء. نهضت من الأرض، والبطاقة السوداء لا تزال بين أصابعي، وتوجهت إلى المرآة الصغيرة في الممر. الانعكاس الذي نظر إليّ لم يعد زوجة الواجهة لإيثان ستورم. شعري أقصر، عيناي غائرتان من كثرة البكاء، لكن كان هناك شيء جديد. شرارة. غضب هادئ يتحول إلى وقود. نظرت إلى البطاقة مجددًا. لم يكن عليها اسم شركة، فقط رقم هاتف وثلاث كلمات مكتوبة بخط ثابت: — «بلا خوف، يا حمراء.» بلا خوف؟ متغطرس. ضحكت وحدي، ضحكة مرّة ترددت في الشقة الفارغة. الخوف كان كل ما عرفته في العامين الماضيين. وضعت البطاقة في درج الخزانة، تحت الملابس الداخلية، حيث أعلم أنني سأراها كل يوم. لن أتصل. ليس بعد. لكنني أيضًا لن أتخلص منها. أخذت حمامًا ساخنًا، تركت الماء ينساب على بشرتي حتى احمرّت. وعندما خرجت، كانت المرآة مغطاة بالبخار. مسحتها بيدي وكتبت بإصبعي: — «روبي وايلدر ستعود للحياة غدًا.» استلقيت على السرير الصغير والمريح، احتضنت الوسادة، ولأول مرة منذ غادرت القصر، لم أحلم بإيثان. حلمت بعينين خضراوين تنظران إليّ وكأنني أغلى جائزة في العالم. وعندما استيقظت في منتصف الليل، وقلبي يخفق، ابتسمت في الظلام. لم أكن مستعدة بعد. لكنني أردت أن أكون.