Mundo ficciónIniciar sesión
الفصل 1
انفتح الباب الحديدي ببطء مع صرير خافت. كان بستانيان يتحدثان بصوت منخفض بينما يعتنيان بالشجيرات على جانب الحديقة. وكان هناك آخر، أكبر سنًا، يعتني بالزهور التي تحفّ الممر الحجري المؤدي إلى المدخل الرئيسي. كانت روتينًا صامتًا، كما هو الحال دائمًا بالنسبة للموظفين. أما المنزل نفسه فكان مهيبًا. مكان جميل، لكنه... بلا حياة. وفي وسط الواجهة الأمامية، كانت هناك لوحة زجاجية ضخمة. نافذة تشغل تقريبًا كامل جدار غرفة المعيشة، كأنها إطار لوحة حية. وخلف ذلك الزجاج، كان هناك رجل. جالسًا على كرسي استرخاء مُعدّل، بدا وكأنه منحوت في مكانه. ساكن. ذراعاه مستندتان إلى المسند، وعيناه ثابتتان على الحديقة التي تتغير مع كل فصل... أما هو، فلا. ليون. جسده كان هناك، لكن روحه... ربما لا تزال على الإسفلت في تلك الليلة. --- داخل المنزل، كان الهواء منعشًا، صامتًا، معطرًا بالزهور المنتشرة في أرجائه، مثل اللافندر. سجاد ناعم، أرفف مصطفة، ولوحات مؤطرة بذوق رصين. كل تفصيل بدا وكأنه اختير لشخص لم يعد الآن يهتم بشيء. "هل تريد قهوة؟" سأل كايو. هزّت إيزيس رأسها، متوترة. كانت عيناها القلقتان تلتقطان كل زاوية في المكان. "يمكنكِ وضع الحقيبة هناك" قال وهو يشير إلى مقعد قرب الجدار. أطاعت. كانت في الحادية والعشرين من عمرها، ملامحها شابة ونظرتها ثابتة، لكن كان فيها شيء يتجاوز عمرها. تعب قديم، مخفي تحت مكياج خفيف وذيل حصان رُبط على عجل. "أعلم أن هذا ليس عملًا عاديًا" قال كايو، مستندًا إلى طاولة المطبخ مواجهًا لها. "لكنني لا أريد شخصًا بمعطف أبيض. لدينا أطباء ومعالجون فيزيائيون ونفسيون... ولم يتمكن أي منهم من الوصول إليه." "وتظن أنني سأتمكن؟" سألت بفضول. نظر كايو نحو غرفة المعيشة، حيث كان ليون لا يزال ساكنًا، يحدّق في الحديقة عبر الزجاج. "أظن أن... لديكِ شيئًا لا يملكه أحد هنا. أسلوب. هدوء. حضور. لا أعرف كيف أشرح." تنهد. "وبصراحة، بدأت تنفد خياراتي." عقدت إيزيس ذراعيها، مفكرة. "ماذا تتوقع مني تحديدًا أن أفعل؟" "تحدثي معه. شاهدي التلفاز. اقرئي بصوت عالٍ. شغّلي الموسيقى. خذيه إلى الحديقة. تحدثي عن يومك، احكي قصصًا... أي شيء. حتى لو بدا كتمثال، صدقيني: هو يسمع." نظرت إليه في عينيه. "ولماذا أنا؟" "لأنه عندما دخلتِ من ذلك الباب، رمش. كانت تلك أول مرة يفعل فيها ذلك منذ عامين." صمتت إيزيس. ملأ صوت ساعة تدق الصمت بينهما. أشار كايو إلى غرفة المعيشة، حيث كان ليون. "إنه هناك. وهو بحاجة إلى شخص لا يخاف من الصمت." تنفست بعمق، حملت حقيبتها وتوجهت نحو الغرفة. وعندما اقتربت من النافذة الزجاجية الكبيرة، شعرت بقشعريرة. توقفت أمامه. "مرحبًا، ليون. أنا إيزيس. تم توظيفي لأبقى هنا معك. و... حسنًا، يبدو أن أمامنا طريقًا طويلًا. آمل ألا تمانع الأشخاص الذين يتحدثون كثيرًا." لم يرد. بالطبع لم يفعل. لكن لوهلة، انعكس ضوء الشمس في عينيه... وأقسمت إيزيس أنها رأت بريقًا خافتًا. التفت كايو نحو إيزيس، محافظًا على صوته منخفضًا. "تذكري، إيزيس... قد لا يرد، لكن هذا لا يعني أنه لا يسمع. أحيانًا نعتقد أنه يتحرك، لكن لم يتمكن أحد من التأكد." أومأت الشابة، ووجهها يُظهر أكثر من مجرد فضول. كان هناك أثر من التعاطف أدركه كايو فورًا، ولهذا اختارها. "أنا أفهم" أجابت بصوت ناعم. "حتى لو لم يتفاعل، سأعامله كما لو كان يستطيع. سأقرأ له، أحكي قصصًا، أتحدث عن العالم في الخارج... ربما يومًا ما يرغب في العودة للعيش فيه." ابتسم كايو لأول مرة في ذلك اليوم، وظهر الارتياح على ملامحه المتعبة. "هذا كل ما أريده، إيزيس. فقط هذا. أن يعود ليعيش." راقبته للحظة. الرجل على الكرسي بدا كتمثال حي. شعر أشقر غير مرتب قليلًا، وعينان خضراوان تحدقان في نقطة غير مرئية في الأفق. كان وسيمًا، حتى في تلك الحالة الغائبة، وكان فيه شيء لمسها... حزن كثيف بدا وكأنه يستغيث بصمت. "هل كان يبتسم؟" سألت، بصوت يكاد يكون همسًا. أغلق كايو عينيه لثانية. "كان يبتسم كثيرًا. كان لديه حس فكاهة حاد. وكان عنيدًا... أكثر مما تتخيلين. صدقيني يا إيزيس، هذا الرجل عاش كما لم يعش كثيرون. لكن الآن... يبدو وكأنه عالق في مكان ما بين الأمس ولا شيء بعده." اقتربت من الكرسي ببطء، وتوقفت بجانبه دون أن تقتحم مساحته. لم يتحرك ليون. لكن كايو رأى شيئًا. ربما انقباضًا طفيفًا جدًا عند زاوية فمه. أم كان ذلك مجرد خيال؟ لم يقل شيئًا. فقط سمح لإيزيس أن تشغل المكان الذي لم يجرؤ أحد على ملئه من قبل. نظر كايو إلى ساعته وتنهد باستسلام. "عليّ أن أذهب يا إيزيس. العمل يناديني" قال بابتسامة متعبة. "لكن إذا احتجتِ شيئًا، رقمي محفوظ في هاتف المنزل. والممرضة تمر هنا بعد الظهر فقط لتفقد أدويته." أومأت إيزيس برأسها. "لا تقلق. سأعتني به جيدًا." اقترب كايو من ليون، وانحنى بجانب الكرسي وتحدث بصوت منخفض، كما يفعل كل يوم، حتى دون رد. "ابقَ بخير يا أخي. ستكون هنا معك. حاول ألا تتجاهلها كثيرًا، حسنًا؟" لم يتفاعل ليون. ظل ينظر من النافذة كما لو أن لا شيء حوله يلامسه. لكن كايو اعتاد على الصمت. ومع ذلك، كان يصرّ، لأن حب شخص ما يعني أيضًا الاستمرار حتى دون مقابل. وقف وألقى نظرة أخيرة على إيزيس. "حظًا موفقًا" قال بلطف. "و... شكرًا لقبولك هذا التحدي." ابتسمت فقط، ابتسامة تحمل إيمانًا. غادر كايو. سحبت إيزيس كرسيًا قريبًا وجلست بهدوء، واضعة ساقًا فوق الأخرى. "حسنًا... إذن أصبحنا نحن الاثنين فقط الآن." ظل الصمت، لكنه لم يخيفها. بأطراف أصابعها، لمست برفق ذراع الكرسي حيث كانت يد ليون تستقر، لا يده مباشرة، بل بالقرب منها. "تعرف يا ليون... أنا لم آتِ لأشفيك. لست طبيبة ولا أخصائية نفسية. لكن يمكنني البقاء. البقاء، إن سمحت." لم تكن تنتظر ردًا. لكن، لوهلة، شعرت بأن الهواء قد تغيّر. كما لو أنه، وسط ذلك الصمت، قد سمع... ووافق.