العنوان بالعربية:
حين تتحدث الزهور نيابةً عنا
مرت الأيام ببطء داخل قصر فيلاردي.
ببطء شديد…
كما لو أن الزمن نفسه يخشى أن يطأ شظايا زجاج مكسور.
ومنذ صباحها الأول هناك، تمسكت إيزابيلا بوعد صامت قطعته لنفسها:
لن تجبر أورورا على أي شيء.
كانت الطفلة أرضًا حساسة وهشة، وكسب ثقتها يشبه تعلم لغة جديدة بالكامل…
لغة تتكون من النظرات.
والصمت.
والإيماءات الصغيرة.
كانت أورورا نادرًا ما تتحدث.
وحين كانت تتحدث، كانت تفعل ذلك مع أنطونيلا.
لكن حتى جدتها لم تكن تصل إلا إلى أجزاء متناثرة من تلك الطفلة التي كانت موجودة قبل المأساة.
لذلك بدأت إيزابيلا بما تعرفه جيدًا:
الروتين.
كانت تستيقظ قبل شروق الشمس كل يوم.
تحضر وجبات خفيفة من الفاكهة مقطعة بأشكال مرحة.
وترتب زي المدرسة فوق السرير، رغم أن أورورا كانت ترفض الذهاب.
وتقرأ القصص بصوت منخفض في زوايا المنزل، حتى وإن لم يكن هناك مستمع واحد.
وتستبدل أغطية الأسرة بأقمشة أكثر نعومة.
وتزرع الأزهار في الحديقة الخلفية.
وتترك دائمًا كرسيًا فارغًا أمامها…
حتى وإن لم يجلس عليه أحد.
ومع مرور الأيام…
توقفت أورورا عن إدارة وجهها عندما تدخل إيزابيلا الغرفة.
ثم توقفت عن المغادرة عندما تراها.
وبعد ذلك بدأت تقترب أكثر.
ليس كثيرًا.
لكنها كانت تبقى بالقرب منها.
دون أن تنظر إليها مباشرة.
وربما بدا ذلك أمرًا بسيطًا بالنسبة للعالم كله…
لكن بالنسبة لإيزابيلا كان إنجازًا هائلًا.
كانت أنطونيلا تلاحظ ذلك.
وفي إحدى الأمسيات، بينما كانتا تراقبان أورورا وهي تلعب مع الدمية “كاكاو” في الطرف الآخر من الممر، قالت:
— إنها لا تتحدث معك… لكنها تستمع إليك.
ثم أضافت بابتسامة مؤثرة:
— إنها المرة الأولى التي ينجح فيها أحد في البقاء كل هذا الوقت دون أن ترفضه.
أبقت إيزابيلا عينيها على الطفلة وأجابت بهدوء:
— لأنني لم آتِ لأرحل.
— لقد أتيت لأبقى.
في الليلة الرابعة وضعت إيزابيلا وسادة بجوار سرير أورورا، ونامت على الأرض داخل الغرفة.
كانت أنطونيلا قد وجدت الطفلة تبكي وترفض النوم وحدها.
ولذلك بقيت معها طوال الليل دون شكوى.
وعندما أشرقت الشمس في الصباح التالي…
لم تكن أورورا ما تزال تنظر إليها مباشرة.
لكنها سحبت الدمية “كاكاو” أثناء الليل لتنام بينهما.
وكان ذلك كافيًا.
وفي يوم الجمعة، كانت إيزابيلا تزرع شتلات اللافندر في الحديقة الخلفية.
كانت أورورا تراقبها من نافذة الطابق الثاني.
تختفي أحيانًا.
ثم تعود للظهور من جديد.
وكأنها تتخذ قرارًا مهمًا داخل قلبها الصغير.
وفي يوم الاثنين التالي، خرجت أنطونيلا لحضور اجتماع، بينما هبطت ساعات العصر بهدوء فوق حدائق القصر.
كان السماء مغطاة بغيوم رمادية فاتحة.
وكان النسيم يبعثر خصلات شعر إيزابيلا بينما كانت تغرس يديها العاريتين في التربة الرطبة.
كانت تزيل الأوراق اليابسة عن شجيرات الورد، وتدندن أغنية قديمة كانت والدتها تغنيها لها عندما كانت طفلة.
ولم تلاحظ في البداية أنها لم تعد وحدها.
فقط عندما شعرت بحركة خفيفة إلى جانبها التفتت ببطء.
كانت أورورا هناك.
واقفة وسط الحديقة.
ترتدي فستانًا أزرق فاتحًا.
وتحتضن الدمية “كاكاو” إلى صدرها.
كانت خصلات شعرها الأشقر المجعد تحيط بوجهها الصغير الجاد.
لكن عينيها…
عينيها كانتا مختلفتين.
كان فيهما بريق.
وحياة.
وشيء لم يكن موجودًا من قبل.
— هل تحبين الأزهار؟
سألت بصوت منخفض.
أقرب إلى الهمس.
تجمد قلب إيزابيلا داخل صدرها.
لكنها لم تُظهر ذلك.
واكتفت بالابتسام.
— كثيرًا.
قالتها برقة.
— هل تعلمين؟ الأزهار تتحدث معنا.
مالت أورورا رأسها قليلًا.
— لكنها لا تملك فمًا.
ضحكت إيزابيلا بخفة.
— ليست بحاجة إلى فم.
— إنها تتحدث بالطريقة التي تنمو بها… وبالطريقة التي تميل بها نحو الشمس… أو بالطريقة التي تذبل بها عندما تفتقد العناية.
خفضت أورورا نظرها نحو الأرض مفكرة.
فأشارت إيزابيلا إلى شتلة أقحوان صغيرة وقالت:
— هذه اسمها الأمل.
— تبدو ضعيفة.
— نعم.
ابتسمت إيزابيلا.
— لكنها قوية جدًا.
— يمكنها أن تنمو حتى في الأرض الجافة إذا منحتها بعض الصبر.
جلست أورورا على ركبتيها ببطء.
ما زالت تحتضن الدمية.
وبقيت بجوار إيزابيلا.
دون أن تلمسها.
لكن قريبة جدًا منها.
— كاكاو تحب الأزهار أيضًا.
— كنت أتوقع ذلك.
— لديها نظرة فضولية جدًا.
نظرت أورورا إلى الدمية وكأنها تستشيرها حقًا.
ثم سألت:
— هل يمكنني المساعدة؟
شعرت إيزابيلا للحظة أن الهواء اختفى من حولها.
ضاق حلقها.
وامتلأت عيناها بالدموع.
لكنها لم تبكِ.
— بالطبع يا أميرتي.
— يمكنك اختيار أي زهرة تريدينها.
— وسنزرعها معًا.
أشارت أورورا إلى أصيص صغير مليء بأزهار صفراء دقيقة.
— هذه سعيدة.
— إنها تشبه الشمس.
ابتسمت إيزابيلا.
— إذن فلنعطها منزلًا.
بدأتا تحفران معًا مكانًا صغيرًا في التراب.
لم تقل أورورا شيئًا آخر.
لكن أنفاسها كانت هادئة.
وكتفاها اللذان كانا دائمًا متوترين بديا أكثر استرخاءً.
ثم رفعت رأسها ونظرت إلى إيزابيلا هامسة:
— رائحتك تشبه العناق.
عضت إيزابيلا على شفتيها.
وشعرت بالدموع تتجمع خلف عينيها.
لكنها لم تبكِ.
ليس في تلك اللحظة.
— وأنتِ…
قالتها بابتسامة دافئة.
— رائحتك تشبه البدايات الجديدة يا أورورا.
وعندما انتهتا من الزراعة، لمست الطفلة التراب بأصابعها الصغيرة.
وكأنها توثق عهدًا سريًا.
— كاكاو تعتقد أنك لطيفة.
ضحكت إيزابيلا.
— وأنتِ؟
فكرت أورورا قليلًا.
ثم…
ابتسمت.
للمرة الأولى.
— أعتقد ذلك أيضًا.
ثم انطلقت تركض عبر الحديقة.
وشعرها المجعد يتطاير خلفها.
بينما كانت الدمية بين ذراعيها.
بقيت إيزابيلا جاثية في مكانها.
ويدها فوق التراب.
وقلبها ممتلئ حتى آخره.
لم يكن انتصارًا.
بل مجرد بداية.
لكنها كانت بداية اسمها الحب.
في الطابق الثاني من القصر، بدا العالم أصغر من أن يحتوي كل الأحزان التي تسكن ذلك المنزل.
ومع ذلك…
كان هناك شيء مختلف في ذلك المساء.
هدنة قصيرة مع الحزن.
وشعاع ضوء يتسلل عبر نافذة غرفة لورينزو.
كان واقفًا هناك.
ساكنًا تمامًا.
ويداه داخل جيبي بنطاله الداكن.
وقميصه الأبيض مفتوح عند الياقة.
يراقب المشهد في الحديقة دون أن يرمش.
أورورا.
راكعة فوق التراب.
وركبتاها متسختان بالطين.
وشعرها يتحرك مع الريح.
تساعد إيزابيلا على زراعة زهرة صفراء صغيرة.
بينما كانت الدمية “كاكاو” مستقرة في حجرها.
وكانت ابتسامة خجولة وصادقة ترقص فوق شفتيها.
أما إيزابيلا…
فكانت تجثو إلى جانبها.
ويداها ملطختان بالتراب.
وفي عينيها بريق لم يره في أي واحدة من المربيات الأربع اللواتي مررن من هنا قبلها.
ذلك المكان الذي اعتاد الصمت…
امتلأ الآن بالأصوات.
والضحكات.
والحياة.
ظل لورينزو يراقب بصمت.
كمن يشاهد شيئًا يعرف أنه قد يفقده في أي لحظة.
ولم ينتبه إلى أن أنطونيلا اقتربت منه.
توقفت بجانبه.
ونظرت عبر النافذة نفسها.
كانت عيناها دامعتين.
لكن ابتسامة صغيرة استقرت على شفتيها.
— إنها تقترب.
همست بصوت مختنق.
لم يرد لورينزو فورًا.
كانت عيناه ما تزالان معلقتين بابنته.
لكن التوتر في فكه كان واضحًا.
كان جزء منه يريد أن يستسلم.
وجزء آخر أكبر بكثير ما زال يقاتل للحفاظ على الجدار قائمًا.
— لا تتسرعي.
قال أخيرًا.
دون أن يحول نظره.
كان صوته منخفضًا.
صلبًا.
وقريبًا من القسوة.
نظرت إليه أنطونيلا من الجانب.
— هل تراها يا لورينزو؟
سألته برفق.
— هل ترى الفرق؟
— إنها مجرد موظفة.
أجاب ببرود.
— أورورا ابتسمت.
قالت والدته.
— وتحدثت.
— ولمست التراب.
— لم تفعل ذلك منذ أشهر.
ثم أضافت:
— وأنت تعلم أن الأمر لا يتعلق بالأزهار فقط.
— بل بالحضور.
ظل يحدق في الحديقة.
— إنها لن تبقى.
قالها بهدوء.
— لا أحد يبقى.
تنهدت أنطونيلا.
— ربما لأن أحدًا لم يحب أورورا قبل أن يحاول تربيتها.
ضغط لورينزو شفتيه.
وبقيت ملامحه خالية من المشاعر.
— المشاعر لا تُبقي أحدًا واقفًا.
قال ببرود.
— إنها تبني الأوهام.
— ثم تغرق أصحابها.
أطلقت أنطونيلا تنهيدة متعبة.
حزينة.
— ليس أنت من يشفى هنا يا لورينزو.
— بل ابنتك.
— فلا تحرمها من ذلك.
أغمض عينيه للحظة قصيرة.
ثم قال:
— لن أخدع نفسي بسبب تصرف واحد.
سكتت أمه للحظة.
ثم سألت:
— وماذا لو لم يكن وهمًا؟
لم يجب.
لأنه في الأسفل…
كانت الطفلة التي ظن أنه فقدها إلى الأبد…
تبدأ أخيرًا في التفتح من جديد.
وكان ذلك وحد