العنوان بالعربية:
الجروح والصمت
مرت الأيام التالية بإيقاع هادئ ومتوتر في آنٍ واحد.
كأنها رقصة صامتة بين شخصين يتحركان في المكان نفسه، لكنهما يتجنبان لمس بعضهما.
أصبح وجود إيزابيلا داخل قصر فيلاردي أمرًا ثابتًا.
كصوت الريح وهي تتسلل عبر شقوق النوافذ القديمة.
لم تكن تثير الضجيج.
ولم تطلب شيئًا.
كانت فقط موجودة.
ومع ذلك، بدا وكأنها تشغل مساحة أكبر من أي شخص آخر عرفه لورينزو في حياته.
كانت أورورا تبتسم الآن.
ابتسامات صغيرة وخجولة.
أحيانًا تختبئ خلف الدمية “كاكاو”.
لكنها كانت تبتسم.
ما زالت لا تتحدث كثيرًا.
بل كانت تكتب أفكارها في دفترها الصغير.
وكانت إيزابيلا تراقب كل شيء بعناية.
في ذلك المساء، كانت إيزابيلا تجلس مع أورورا في الحديقة.
مستقرة فوق العشب الأخضر، تروي واحدة من قصصها المؤلفة، بينما كانت الطفلة تحاول موازنة بتلات الزهور فوق كتفي الدمية.
كانت أشعة الشمس تتسلل بين أغصان الأشجار العالية، وترسم ظلالًا ناعمة فوق شعر إيزابيلا المتحرك مع النسيم.
أما لورينزو…
فكان يراقب المشهد من الشرفة.
أصابعه تلتف حول فنجان قهوة برد منذ وقت طويل.
فكه مشدود.
وعيناه نصف مغمضتين.
كانت تمثل تهديدًا.
ليس لأنها تفعل شيئًا خاطئًا.
بل على العكس تمامًا.
كانت جيدة أكثر مما ينبغي.
جيدة مع أورورا.
وجيدة مع والدته.
وجيدة حتى مع مارتا، التي كانت عادة حصنًا يصعب اختراقه.
كانت جيدة أكثر مما يجب أن تكون.
ولهذا السبب تحديدًا كان يشعر بالانزعاج.
كان يكره الطريقة التي تضحك بها.
ويكره العطر الرقيق الذي يبقى في الهواء بعد مرورها.
ويكره الطريقة التي تبتسم بها أورورا لها.
تلك الابتسامة التي اختفت منذ زمن طويل.
الابتسامة التي كان يظن أنها ضاعت إلى الأبد.
والأسوأ من ذلك كله…
أنه كان يكره الطريقة التي يستجيب بها جسده لمجرد وجودها.
✦ ✦ ✦
أول ما شعرت به إيزابيلا عندما دخلت غرفة الطعام كان البرودة.
ليس برودة الجو.
بل برودة المكان نفسه.
كانت الطاولة طويلة أكثر مما ينبغي لثلاثة أشخاص فقط.
وكانت الثريا الكريستالية المعلقة فوقها تبدو كعرش معلق في الهواء.
أما الجدران فكانت مزينة بلوحات لمناظر طبيعية جميلة…
لكنها خالية من الحياة.
كل شيء هناك كان يصرخ بالثراء.
لكنه كان ثراءً وحيدًا.
كما لو أن المكان صُمم ليُبهر الفراغ.
كانت أورورا جالسة إلى يسار المقعد الرئيسي.
أصابعها الصغيرة متشابكة فوق حجرها.
وعيناها تراقبان كل شيء بصمت.
جلست إيزابيلا إلى جوارها.
وابتسمت عندما رأت أن الطفلة أحضرت الدمية “كاكاو” لتتناول العشاء معهما.
لكن في اللحظة التي دخل فيها لورينزو إلى الغرفة…
أصبح الصمت كثيفًا كالدخان.
كان يسير بخطوات ثابتة.
ملامحه غير قابلة للقراءة.
يرتدي قميصًا أبيض أنيقًا من القطن.
مفتوحًا عند الزرين الأولين.
أما أكمامه المطوية حتى المرفقين فكانت تكشف عن ساعدين قويين تعبرهما عروق خافتة.
وكانت الساعة الداكنة في معصمه تضفي عليه هيبة لا تقبل الجدل.
جالت عيناه الزرقاوان فوق الطاولة.
ثم توقفتا عند أورورا.
وأخيرًا…
استقرتا على إيزابيلا.
ولم تشح بنظرها.
— مساء الخير.
قال بصوته المنخفض والثابت.
— مساء الخير، سيد فيلاردي.
أجابته بهدوء.
رغم أن معدتها كانت تنقبض من التوتر.
— “سيد فيلاردي” يبدو اسمًا يُقرأ في وصية.
قال فجأة.
— يمكنكِ أن تناديني لورينزو.
رمشت إيزابيلا بدهشة.
فالعفوية لم تكن شيئًا تتوقعه منه.
لكن نبرته لم تكن ودية تمامًا.
بل بدت وكأنها اختبار جديد.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
— حسنًا يا لورينزو.
ثم أضافت مازحة:
— لكن بشرط ألا تطردني بسبب ذلك.
ارتفع طرف فمه قليلًا.
كاد يكون ابتسامة.
كاد فقط.
وكانت أورورا تراقب المشهد بعينيها الواسعتين.
صامتة.
لكن نظراتها قالت أكثر مما يمكن لل الفصل الرابع
الجروح والصمت
الجزء الثاني
بدأ العشاء وسط أطباق فاخرة وأدوات مائدة مصطفة بدقة.
بدت الوجبات وكأنها خرجت للتو من مطعم يحمل نجومًا عالمية.
لكن إيزابيلا بالكاد استطاعت تذوق الطعام.
كان التوتر الجالس على الطاولة أكثر حضورًا من أي شيء آخر.
— كيف كانت أيامك الأولى هنا يا إيزابيلا؟
سألت أنطونيلا بابتسامة دافئة محاولة كسر الجليد.
ابتسمت إيزابيلا برفق.
— رائعة.
قالتها بصدق.
— أورورا طفلة مذهلة.
ثم نظرت حولها وأضافت:
— أما القصر… فما زلت أحاول الاعتياد على حجمه.
— سيبدو صغيرًا بعد فترة.
قال لورينزو وهو يقطع قطعة اللحم بدقة جراحية.
— الأمر كله مسألة منظور.
أومأت برأسها.
— ربما.
ثم أضافت مبتسمة:
— لكنني لا أتحمل المسؤولية إذا تهت في الممرات وأنا أحاول العثور على غرفتي.
رد لورينزو دون أن يرفع عينيه:
— طالما أنك لا تحاولين العثور على غرفتي.
توقف شوك الطعام في يد إيزابيلا في منتصف الطريق.
واتسعت عينا أورورا بحيرة.
أما أنطونيلا فسعلت بخفة.
— لورينزو…
قالتها بنبرة تحذيرية.
— كانت مزحة يا أمي.
أجاب ببرود.
— ومزحة سيئة جدًا أيضًا.
قالت إيزابيلا بابتسامة ثابتة.
رغم أن نبرتها حملت قدرًا واضحًا من الحزم.
— لا تقلق يا سيد فيلاردي.
— الباب الوحيد الذي يهمني في هذا المنزل هو باب غرفة أورورا.
رفع عينيه نحوها.
وظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة.
ساد الصمت.
لكن شيئًا آخر كان موجودًا أيضًا.
شيء يشبه الاحترام.
مترددًا.
ومتخفيًا.
لكنه موجود.
— عادل.
قال أخيرًا.
وعاد إلى طعامه.
— آمل أن تحافظي على هذا الموقف.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها.
— وآمل أن تحافظ أنت على حس الفكاهة.
ضحكت أورورا ضحكة خافتة.
وتبادلت أنطونيلا نظرة فخر مع إيزابيلا.
أما لورينزو…
فكان أكثر ارتباكًا مما أراد الاعتراف به.
كانت المربية مختلفة.
لم تنحنِ أمام اسمه.
ولم تنبهر بثروته.
ولم تتراجع عندما حاول اختبارها.
وكان ذلك يزعجه.
بشكل غير منطقي.
كانت جميلة.
لكن المشكلة لم تكن جمالها.
بل شخصيتها.
وكان هذا أخطر بكثير.
لقد كانت من النوع الذي يذكر الرجل بأنه ما زال يملك قلبًا.
✦ ✦ ✦
بعد انتهاء العشاء، اصطحبت أنطونيلا أورورا لتنظيف أسنانها وتوديعها قبل النوم.
وبذلك تُرك لورينزو وإيزابيلا وحدهما في غرفة المعيشة.
كانت الإضاءة خافتة.
مصابيح جانبية فقط تنثر دوائر صغيرة من الضوء فوق الأثاث.
صب لورينزو لنفسه كأسًا من الويسكي.
ثم استند إلى الخزانة الخشبية خلفه.
وظل يراقبها بصمت.
أما هي فكانت جالسة تنظر إلى المدفأة المطفأة.
— أنت أصغر سنًا مما توقعت.
قال أخيرًا.
حولت نظرها نحوه.
— وأنت أكثر صراحة مما كنت أتمنى.
للمرة الثانية ذلك المساء…
ظهرت شبه ابتسامة على شفتيه.
ثم رفع الكأس وارتشف منه.
— لماذا أردت هذا العمل؟
سألها.
— لأنني أحب الأطفال.
أجابت ببساطة.
— ولأنني بحاجة إلى العمل.
ثم أضافت بهدوء:
— ولأن الحياة لم تمنحني رفاهية الاختيار.
أومأ برأسه.
— إجابة صادقة.
ثم عقد ذراعيه أمام صدره.
— لكنها ما زالت مخاطرة.
— رعاية ابنتي ليست وظيفة عادية.
خفضت إيزابيلا عينيها للحظة.
ثم قالت:
— أعلم ذلك.
— أورورا طفلة لطيفة.
— لكنها تحمل فوق كتفيها الصغيرين أكثر مما يجب أن تحمله طفلة في الخامسة من عمرها.
صمتت قليلًا.
ثم أضافت:
— إنها تذكرني بنفسي كثيرًا.
— وكما أخبرتك سابقًا…
— أريد أن أقدم لها ما لم يقدمه أحد لي يومًا.
ظل لورينزو ينظر إليها.
دون أن يقول شيئًا.
لكن نظراته لم تغادر وجهها.
عندها ابتسمت بخفة.
وحولت عينيها من المدفأة إلى عينيه مباشرة.
— لكنني أيضًا…
قالتها بثقة.
— لست فتاة عادية.
ساد الصمت بينهما.
وضاقت عيناه قليلًا.
كانت تنظر إليه بثبات نادر.
دون خوف.
ودون تردد.
ودون أن تحاول كسب ر الفصل الرابع
الجروح والصمت
الجزء الثالث والأخير
أخيرًا كسر لورينزو الصمت.
لكن هذه المرة لم تكن نبرته باردة كما كانت في السابق.
— أورورا هي كل ما تبقى لي.
قالها بهدوء.
وكان هناك شيء في صوته…
شيء يشبه الألم.
ألم قديم لم يلتئم أبدًا.
بقيت إيزابيلا تنظر إليه.
ثم قالت بلطف صادق:
— وأقسم لك بكل ما أملك…
— أنني لن أؤذيها أبدًا.
ظل يحدق فيها لثوانٍ طويلة.
وكأنه يحاول معرفة ما إذا كان يستطيع تصديقها.
ثم قال أخيرًا:
— لقد أحبتك.
اعترف بذلك بصعوبة واضحة.
— وهذا لا يحدث كثيرًا.
ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتي إيزابيلا.
— وأنا أيضًا أحببتها.
اقترب لورينزو ببطء.
وتوقف على بعد خطوات قليلة منها.
كانت عيناه الزرقاوان مثبتتين عليها بقوة أربكتها رغم محاولتها إخفاء ذلك.
— فقط لا تنسي شيئًا يا آنسة فرنانديز.
قال بصوت منخفض.
— هذا المكان ليس قصة خيالية.
توقفت لحظة.
ثم أضاف:
— وأنا لست أميرًا.
نهضت إيزابيلا من مكانها.
ورفعت رأسها نحوه بثبات.
— لقد عشت مع وحوش أسوأ.
قالتها بهدوء.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وأضافت:
— وهل تعرف ما المثير للفضول يا سيد فيلاردي؟
رفع حاجبه.
— ماذا؟
أجاب.
فقالت وهي تنظر مباشرة إلى عينيه:
— أحيانًا…
— كل ما يحتاجه الوحوش هو شخص يراها أبعد من ظلالها.
تجمد في مكانه.
بينما استدارت هي وغادرت الغرفة.
تاركة إياه وحده.
يمسك كأس الويسكي.
ويتذوق مرارة رجل اكتشف أنه قد تمت قراءته بدقة مؤلمة.
✦ ✦ ✦
في تلك الليلة، وبينما كانت ترتب ألعاب أورورا داخل الغرفة، شعرت إيزابيلا بأن جزءًا من التوتر الذي رافق يومها بدأ يذوب ببطء.
كانت الطفلة نائمة بعمق.
وذراعاها الصغيرتان ملتفتان حول الدمية “كاكاو”.
أما وجهها الرقيق فكان هادئًا للمرة الأولى منذ وصولها إلى القصر.
اقتربت إيزابيلا منها.
ومررت أصابعها برفق بين خصلات شعرها الذهبية.
ثم همست:
— أعدكِ أن أعتني بكِ يا أميرتي.
— حتى لو حاول العالم كله أن يمنعني.
غادرت الغرفة بهدوء.
وكان الممر غارقًا في شبه ظلام لطيف.
تنساب فيه ظلال المصابيح الجانبية فوق الجدران الطويلة.
كانت خطواتها خفيفة.
هادئة.
كما لو أنها تحترم الصمت الذي يسكن ذلك المكان.
لكنها لم تكن تعلم أنها مراقبة.
كان لورينزو يقف في الطرف الآخر من الممر.
مختبئًا بين الظلال.
ساكنًا تمامًا.
لم تره.
كانت غارقة في أفكارها.
ربما مرتاحة لأنها رأت أورورا تنام مبتسمة.
وربما مرهقة من التوتر الدائم الذي يملأ أرجاء ذلك القصر.
أما هو…
فكان يراها بوضوح تام.
ويراقبها كما لم يراقب أحدًا منذ سنوات.
كانت تسير بخطوات هادئة.
وشعرها الأشقر بدا أقل ترتيبًا من المعتاد.
أما ملامحها فكانت تحمل ذلك السلام الغريب الذي لا يطلب الانتباه…
لكنه يفرضه رغمًا عن الجميع.
قبض لورينزو يديه داخل جيبي بنطاله.
شيء ما فيها كان يربكه.
شيء لا يستطيع السيطرة عليه.
وكان يكره فقدان السيطرة.
لقد أمضى سنوات طويلة يبني الجدران حول كل ما يؤلمه.
حول السرير الفارغ إلى جواره.
وحول الضحكة التي لم يعد يسمعها في أروقة المنزل.
وحول غياب المرأة التي أحبها يومًا…
والتي انتُزعت من حياته في لحظة قاسية.
ومنذ ذلك اليوم…
أصبح كل شيء صمتًا.
وانضباطًا.
وفراغًا.
كانت أورورا تنام وحدها أكثر مما ينبغي.
أما هو…
فلم يكن يعيش.
بل ينجو فقط.
إلى أن ظهرت تلك الفتاة.
بفساتينها البسيطة.
وصوتها الهادئ.
ولسانها الحاد.
وبطريقتها العنيدة في النظر إلى أورورا كما لو أنها تراها كاملة.
كما لو أن شيئًا في هذا المنزل لا يخيفها.
وكأن حتى الحزن نفسه يمكن مواجهته ببعض الإنسانية.
وكان يكرهها لذلك.
يكره كيف تجعل أورورا تبتسم بأبسط الأشياء.
ويكره كيف تتركه بلا إجابات.
ويكره أكثر من أي شيء آخر…
أن جزءًا منه يريد المزيد.
يريد أن يعرف من أين تأتي تلك الإضاءة الهادئة.
ويريد أن يفهم لماذا تزعجه إلى هذا الحد.
استدارت إيزابيلا عند آخر زاوية في الممر.
واختفت عن ناظريه.
لكن لورينزو ظل واقفًا مكانه.
ساكنًا.
كما لو أن جزءًا منه بقي مع خطواتها الأخيرة.
وعندها مر خاطر مفاجئ عبر ذهنه.
خاطر مزعج.
قاسٍ.
وخطر.
ماذا لو كانت هي الوحيدة القادرة على جعلي أشعر من جديد؟
كره الفكرة فورًا.
لكنه لم يستطع طردها.
وفي تلك الليلة…
عرف لورينزو فيلاردي شيئًا واحدًا.
حتى وإن لم يعترف به بصوت مرتفع.
لقد تغير شيء ما.
ولم يعد هناك طريق للعود